حكومات لا تتحدث إلى نفسها (2): ولكن لماذا علينا أن نتواصل؟

 
لماذا علينا أن نتواصل؟
 
قد يبدو سؤالا بديهياً، لا نحتاج إلى الإجابة عليه! أو على الأقل هناك إجابة تقليدية ومتعارف عليها، الإجابة هي أننا نتواصل ليعلم الآخرون ما نفعل، وما أنجزناه أو ما نحن بصدد إنجازه. قد تكون هذه هي الإجابة القاطعة منذ سنوات طويلة عندما كان الاتصال مختصراً على طرفين: المصدر الحكومي ووسائل الإعلام. وكانت الجماهير متلقي سلبي، تصله الأخبار الحكومية عن طريق وسائل الإعلام، ليستهلكها بشكل محدود ودون تعليق مباشر عليها أو تداولها بشكل واسع مع مجتمعه المحيط. وكانت آراء الجمهور المتلقي لا تعني الكثير للمصادر الحكومية قديماً، ولم تكن تحرك ساكناً إلا إذا خرجت الجماهير معبرةً عن غضبها إزاء الأخبار التي تؤثر سلباً على حياتهم، وقد تسبب تفاقم الأمور إلى هذا الحد في سقوط وزارات وحدوث صدامات سياسية ومجتمعية. لذلك فالمتابع لحالة العلاقات الحكومية - الإعلامية في منطقتنا العربية خلال العقود الماضية يمكنه بسهولة وصفها بالمضطربة والعشوائية في كثير من الأحيان
 
ولكن تغير الزمن، وتطورت وسائل الاتصال، ومعها تغيرت طبيعة التواصل بين الحكومة والمواطنين، فلم يعد المواطن طرفاً سلبياً، يتلقى الأخبار الحكومية دون التعليق عليها ومناقشتها، وتداولها على نطاق واسع هنا وهناك. وأصبح المواطن طرفاً فاعلاً في التواصل، يتسابق بل ويتفوق أحياناً على وسائل الإعلام في الحصول على الخبر ونشره وتداوله، كما أصبح الاتصال المباشر والفوري مع الجمهور متاحاً دون الانتظار لوسائل إعلامية تلعب دور الوسيط بين الحكومات ومواطنيها.
 
ولذلك نرى أن الإجابة على سؤال 'لماذا نتواصل' تتطلب فهماً وتطبيقاً واضحاً للتخطيط الاستراتيجي لأنشطة الاتصال الحكومي، سواء على مستوى الحكومة بشكل عام، وعلى مستوى الجهات الحكومية باختلاف طبيعة أعمالها وخدماتها، وذلك دون حصر الاتصال الحكومي في تلك العلاقة التقليدية الحكومية-الإعلامية. 
 
نتواصل استراتيجياً لأن الاتصال يقع في قلب العمل الحكومي، ولأن الاتصال هو في الحقيقة محرك وقوة دافعة للعمل الحكومي، الاتصال بمعناه الحديث يوفر لنا أدوات القراءة الاستباقية للرأي العام، به نقف على توجهاته واحتياجاته وتوقعاته من الحكومة، وفجواته المعلوماتية، وبه نتوقع ونستعد لأسئلته عن ما نقدمه من خدمات وبرامج ومبادرات؛ فهل يمكننا الآن تقديم خدمات حكومية بلا اتصال مدروس يصل الى فئات الجمهور المستهدفة برسائل واضحة تتحدث لغتهم، وتخبرهم بسلالة ووضوح عن عناصر الاستفادة من هذه الخدمات، وكيف ستؤثر على حياتهم. إذاً لا يجب أبدا أن نتعامل مع الاتصال الحكومي كداعم ثانوي للعمل الحكومي، بل علينا أن نضع نصب أعيننا هذه الحقيقة؛ أن الاتصال الحكومي لن يؤدي دوره المطلوب إن لم يكن اتصالاً استراتيجياً، له أهداف واضحة وأدوات محددة وممكنة القياس، لندرك بشكل دقيق أين نحن الآن وأين نريد أن نكون.
د. يمنى كامل


Comments

Popular posts from this blog

حكومات لا تتحدث إلى نفسها (4): السياسات الحكومية والاتصال

حكومات لا تتحدث إلى نفسها (١): سلسلة مقالات تخصصية في الاتصال الحكومي